أخبار العالم

النخب الجزائرية والتونسية لا تقرأ التاريخ بالجرأة التي يقرأه بها المغاربة


ينطلق عبد الفتاح الزين، أستاذ السوسيولوجيا بجامعة محمد الخامس بالرباط في تحليله لأبعاد الصراع المحتدم والمتواصل بين الدول المغاربية من تشريح لواقعها الحالي في علاقته بالمتغيرات التي يشهدها العالم والمنطقة، وكذا التحولات الداخلية وارتباطها بالأنظمة وتوجهاتها والنخب الخائفة المهزوزة.

 

من هذا المنطلق يصبح الصراع والتوتر طبيعيا في غياب قراءة مشتركة تعتمد المصادر والمنهجيات والمقاربات نفسها سواء عند الأنظمة الحاكمة أو النخب.

 

ما هي قراءتك لهذا الصراع حول بعض مكونات التراث الثقافي والذاكرة المشتركة بين دول المغرب العربي؟

 

هذا الصراع أو سوء التفاهم هو وليد التوترات الناتجة عن مرحلة الاستعمار، استعمار لم يكن متساويا بين البلدان فعندما نتحدث بالفرنسية عن LE MAGHREB فهي كلمة تصعب ترجمتها إلى العربية، الصيغة الحالية تتضمن موريتانيا وليبيا في حين أن الأخيرة لم تكن مستعمرة فرنسية والأولى لم تكن مدمجة في التصور الفرنسي الكولونيالي للمغارب LE MAGHREB (المغرب والجزائر وتونس)، وبالتالي فهو صناعة فرنسية لمنطقة ما وراء البحر في مرحلة معينة من التاريخ. الاستعمار لهذه المنطقة لم يكن متساويا سياسيا حيث أن تونس والمغرب كانتا محميتين خاصة. المغرب خضع للحماية في إطار مؤتمر الجزيرة الخضراء الدولي والجزائر كانت تعتبر ترابا فرنسيا. لو عدنا لتصور بنجمان ستورا كخبير وليس فقط كباحث فإنه صاغ الأمر بشكل قيصري، فكان تدخله بمبضع الجراح لأنه لا يمكن إصلاح الذاكرة الفرنسية الجزائرية دون إصلاح علاقة فرنسا مع المغارب (LE MAGHREB) خاصة وأن فرنسا التي تسلمت المغرب وفقا لاتفاقية الجزيرة الخضراء لم تعده إلى أصحابه كما كان سابقا، وأنا هنا لا أدعو لمراجعة الحدود فالتاريخ شيء عصي على العودة إلى الوراء، ولكن هذا يعني إمكانية حدوث مفاجآت تاريخية كما حدث في الاتحاد السوفياتي الذي انشطر، وكما حدث كذلك عدة مرات في دول أوروبا الشرقية إلى حد التقسيم والتشتت، فأصبح مسمى جغرافيا بمنطقتها أي البلقنة، لكن النخب خاصة التونسية والجزائرية لا تريد قراءة التاريخ بالجرأة التي يقرأه بها المغاربة وبالتالي هذه التوترات حول الإرث التاريخي والمشترك وغيرهما نجدها بالغة الحساسية بين النخب التي عليها قيادة الشعوب.

 

في قضية الزليج وغيرها، سأكتفي بالحديث عن النخبة والمثقفين المغاربة لأن النخبة الجزائرية اليوم ضعيفة وخائفة ولا تعبر عن عمق تصورها، بينما النخبة التونسية أكاد أقول إنها نخبة مهزوزة في علاقتها بتاريخها ومجتمعها على مستوى المنطقة، وتجلى هذا في التوترات المغربية التونسية الأخيرة لأن هناك سوء فهم للنخبتين لما يقع في المغرب، معتقدين وفق منطق الحرب الباردة أن الصراعات الدائرة في المنطقة هي صراعات بين الأنظمة الحاكمة في حين أن التصور لدى القيادة المغربية الممثلة في الملكية ذات الشرعية التاريخية يتبناها الشعب والنخبة معا ولا يفكران خارجها بل ضمنها وبمنطق إصلاحها ودمقرطتها نحو أشكال أكثر تطورا، خاصة منذ بداية المسلسل الديموقراطي في السبعينات مع تقوية الجبهة الداخلية أيام الحسن الثاني وخاصة مع دخول العهد الجديد والمكتسبات التي تحققت سواء بطريقة صياغة الدستور أو تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة وغيرها. في هذا الإطار التي نتحدث فيه من الطبيعي أن تحدث هذه الثورات في غياب قراءة مشتركة تمتح وتتغذى من نفس المصادر والمنهجيات والمقاربات لدى النخب والأنظمة الحاكمة، وإن كان أن النظام الجزائري، الذي يرفضه الشعب بدليل الحراك الأخير، يريد أن يفرض منطق حرب باردة ولا زال يستمر فيها. للأسف بعض الأطياف من نخبتنا المغربية لم تستطع التحرر من منطق العهد القديم (عهد الحسن الثاني) وبالتالي ترى في هذا الصراع صراعا طفوليا وغير ذلك. إذن اليوم نحن أمام تجاذبات تحركها ضغوط العولمة أولا وتتفاعل مع ضغوط خارجية إما لقوى لها حضور تقليدي تاريخي مثل فرنسا وكذلك مع تجاذبات على المستوى الإقليمي سواء في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط أو على المستوى الإفريقي عموما، فهذا الحديث عن التراث والمشترك التاريخي حتى مع موريتانيا وعدد من الدول كما حدث مؤخرا بعد طلب المغرب الانضمام إلى عضوية سيدياو (CEDEAO) يعود بعض المثقفين خاصة في السنغال للتاريخ بطريقة مغلوطة فيها نوع من التخوف من الحقيقة، لأن هناك حقيقة التاريخ مقابل استعمال هذا التاريخ.

 

نحن اليوم أمام استعمال إيديوثقافي (إيديولوجي ثقافي) لهذا التاريخ ونوع من مواجهة الوقائع التاريخية الحقيقية. هذا الصراع وصراعات أخرى حتى على مستوى العلاقات داخل المغارب يحضر بالشكل الذي صنعته فرنسا ومرحلة الحماية والاستعمار الفرنسيين. مثلا «الراي» كما هو اليوم من وجهة نظري شخصيا ليس إنتاجا لا جزائريا ولا مغربيا، إنه إنتاج للجاليات المغربية الجزائرية واندماجها في أوروبا وعلى الخصوص في فرنسا، فلو بقي الراي كما كان في المغرب والجزائر خاصة في منطقة وهران ومنطقة المغرب الشرقي لما وصل لما وصل إليه الآن. مع الأسف نخبنا إما متقاعسة أو لا تملك الأدوات الكافية لقراءة هذه الأشياء.

 ما هي المغالطات التي ترتكب في ظل هذا الصراع؟

 المغالطات تكمن في كون التوترات تأتي وفق منطق الأنظمة الحاكمة وليس وفق منطق المجتمعات حتى لا أقول الشعوب، لأن الفرق بين المغرب وتونس والجزائر على الخصوص هو أن النخب غير قادرة على التعبير عن رأيها خارج قرار النظام الحاكم، لما تشهده من قمع وخوف من وصفها بكونها باعت نفسها للمخزن والمغرب إلخ… في المقابل نجد أن تصور النخب المغربية وتصور النظام متقاطعان ومتداخلان في أغلب الأحيان وأنا هنا لا أتحدث عن الذباب الإلكتروني بل عن النخب المنتجة للأفكار. مع الأسف الأنظمة لها حساسية تؤثر في مواقف النخب، دعنا نتحدث مثلا عما وقع لدى النخب السياسية على الخصوص عندما عبر شباط رئيس حزب الاستقلال السابق، وإن لم يكن مثقفا بل رجل سياسة، عن موقفه من التاريخ المغربي الموريتاني، وما وقع من تشنج موريتاني وتهدئة مغربية من قبل النظام. هذه الأشياء تبين إلى أي حد هذا يصعب فهم النقاش حول الإرث المشترك في ظل التوترات الحالية، وبالتالي لابد من إثارة هذه التوترات والتجاذبات والتقاطبات بين هذه الأطراف لأن لكل بلد خصوصياته.

لكن التاريخ، كما حدث بدون بهارات وطنية أو تصورات إيديوثقافية، مع الأسف انطلاقا من التوترات الحالية لا يساعدنا على فهم المشترك. فالنخب المغربية والتونسية مدنية بينما نخب الجزائر عسكرية، وهذا إشكال كبير، ومادام كذلك لا يمكن أن نذهب بعيدا في هذا الجانب، ناهيك عن التدخلات في إطار العولمة ليس فقط في إطار الاتحاد الأوروبي بل كذلك من فرنسا وإسبانيا باعتبار حضور هاتين القوتين في تاريخ المنطقة وصراعاتها. إسبانيا في قضية الصحراء وفرنسا في قضية LE MAGHREB ناهيك كذلك عن الدور الألماني في مؤتمر برلين الذي قسم إفريقيا بين القوى الأوروبية وفيه أُعْلِن قرار اعتبار الصحراء منطقة مفتوحة وموهوبة للاستعمار الإسباني.

كما قلت سابقا، لدينا تجارب تاريخية للنخب في المنطقة عن كونها لم تستطع أن تفرض رأيها أو أن يؤخذ بعين الاعتبار، النخب الجزائرية التي كانت تناقش نظيرتها من المغرب وتونس اليوم هي خارج الجزائر أو لم يعد رأيها مسموعا في الداخل، بل لم يعد لها تجذر في الواقع الجزائري منذ العشرية السوداء. التقيت مع جزائريين سواء في بلدهم أو في تونس أو فرنسا خاصة الباحثين والأساتذة منهم، واكتشفت أنهم لا يعرفون العديد من الأسماء التي كنا نتعامل معها نحن جيل السبعينات ونعرفها، لقد محيت ذاكرة هذه الأجيال حتى في تونس. العديد من الشباب والباحثين والنخب الجديدة لا يعرفون المفكرين الذين ساهموا في النقاش المغاربي بين تونس والجزائر والمغرب، في حين أننا في المغرب مازلنا نحتفظ بذكريات عبدالكبير الخطيبي مثلا، وأنا أتذكر مثلا العدد الخاص الذي صدر في مجلة LES TEMPS MODERNES في عز الأزمة حول المغارب (LE MAGHREB) وشارك فيه جزائريون وتونسيون ومغاربة، وهذه الأسماء عندما نعرضها على المغاربة فهم يعرفونها في حين يجهلها الجزائريون والتونسيون تماما، وهذا مشكل يتعلق باستمرار الفكرة المغاربية بين النخب.

بعض النخب تعتمد على الواقع أكثر من عودتها إلى التاريخ، فمثلا المعارضة الجزائرية عندما تتحدث عن مغرب الشعوب لا تذهب بعيدا في عرض تصورها بوضوح وتستعمل عبارات فضفاضة فقط دون مضامين عملية، ناهيك عن الصراعات الدائرة حول هوية المغرب الكبير هل هو عربي أم أمازيغي أو إسلامي إلى غير ذلك. شهدنا في المغرب حيوية في النقاش الذي يغيب في الجزائر وتونس وهذا ما جعل السياسيين يغامرون بخلق تقاطبات جهوية وإقليمية بين الجزائر وتونس وليبيا إلى درجة أنهم ينسون موريتانيا، في حين أن النخبة المغربية لا تفكر خارج الواقع المغاربي. هذه الأشياء هي التي تخلق لنا هذه التفاوتات في التعامل مع الحقيقة التاريخية، وبالتالي فاليوم مثلا، النقاش الجزائري الفرنسي حول الذاكرة فيه نوع من التدخل القيصري لتعميق المشاكل. أتساءل عن إمكانية معالجة هذه القضايا بمعزل عن الواقع المغاربي، فمثلا قضية اليهود لا يتعامل معها في دول المغرب الكبير بالطريقة نفسها، فالمغرب اعترف ببعده اليهودي في الدستور في حين يغيب هذا التصور في الجزائر وتونس، ففي الأخيرة نجد الاستعمال الأدواتي السياسي الذي يطبعه الغموض في حين نلاحظ في الجزائر خلطا بين العبري واليهودي والإسرائيلي والصهيوني، بينما في المغرب هناك اجتهاد للتمييز بين هذه المستويات الأربعة لأن اليهودي قد يكون عبريا لكن ليس بالضرورة إسرائيليا. هذا التراث المشترك المغاربي وإن كان ثابتا تاريخيا فالتعامل معه لا يتم بنفس الطريقة في إطار الدولة القُطْرِية، لأن المنهاج الدراسي والقوى السياسية والعلاقات الدولية لعبت دورها في كل هذا، والمغرب نظرا لتشبته بتاريخيته عبر ما يسمى بالتحليل السياسي المغربي للشرعية التاريخية أي الملكية، بقي في علاقة مع عمقه التاريخي ويظهر ذلك في كونه البلد الوحيد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي أدرج تعدده في ديباجة دستوره، وهذا شيء علينا أن نثمنه ونشتغل عليه وأن نستمر فيه كنخبة، فـ»المغرب العربي» حسب التعبيرات السياسية لم يعد أفقا للتفكير ولكن منطلقا للتفكير بما فيه البعدين الإفريقي والمتوسطي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى